التاريخ النصي للقرآن

من ویکی اسلام
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

القول بأن القرآن محفوظ بشكل كامل من أبسط تغيير في نصه هو معتقد سائد لدى معظم المذاهب والطوائف الإسلامية، ولهذا القول ارتباط وثيق بالأصل الإلهي للقرآن بل ويتم تقديم هذا الحفظ على أنه معجزة من معجزات الإسلام. وفي حين أن علماء المسلمين التقليديين يقولون بأن القرآن اليوم مطابق للقرآن الذي تلفظ به النبي محمد، نجد أن هذا الادعاء يصطدم مع التراث الإسلامي نفسه ومع نتائج الدراسات الحديثة.

مقدمة

القرآن كما يعتقد المسلمون هو وحي نزل من الله على النبي محمد من خلال الملَك جبريل. وقد نزل الوحي بشكل متقطع على مدار 23 سنة.

إن النقل الكتابي للقرآن والنقل الشفوي مترابطان؛ فكما سيتم توضيحه في هذه المقالة، كانت مصاحف المسلمين مختلفة إلى أن وحدها عثمان. وعلى الرغم من خلو مصحف عثمان من النقط والتشكيل، قضى هذا التوحيد على القراءات الشفوية التي تخالف رسم المصحف العثماني. أما القراءات التي يحتملها رسم المصحف فقد أصبحت في النهاية موحدة ومُدوَّنة. وقد تم تحقيق ذلك على عدة مراحل وعلى مدى قرون.

أقدم مجموعة من القرآن

لسوء الحظ ، لم يأمر النبي محمد بجمع القرآن في كتاب واحد. وقد مات الكثير من القراء قبل جمع القرآن، فطلب أبو بكر من زيد بن ثابت أن يجمع القرآن في كتاب. كان زيد مترددًا لأن محمداً لم يأمر قط بمثل هذا الإجراء. يقول زيد: فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ (أوراق النخيل) وَاللِّخَافِ (حجارة بيضاء رقيقة) وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ ‏{‏لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ‏}‏ حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ (سورة التوبة).[١]

يحتوي صحيح البخاري على مادة متناقضة حول جمع القرآن، مع ملاحظة أن علماء المسلمين يقولون بأن المقصود بجمع القرآن في هذين الحديثين هو حفظ القرآن كاملاً:

حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ـ رضى الله عنه ـ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ‏.‏ صحيح البخاري [٢]

عَنْ أَنَسٍ، قَالَ مَاتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو زَيْدٍ‏.‏ قَالَ وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ‏.‏ صحيح البخاري[٣]

محمد ينسى الآيات

بينما يوجد اليوم العديد من يحفظون القرآن كاملاً ، لم يكن لدى المسلمين الأوائل ميزة وجود قرآن موَّحد كامل ومكتوب بعلامات التشكيل لمساعدتهم في التعليم والتعلم.

يسجل القرآن نفسه أن محمدًا قد نسي آيات من القرآن:

"سَنُقْرِئُكَ ‌فَلَا ‌تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) " سورة الأعلى

"مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ ‌نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا" البقرة/106


وتوجد أحاديث تبين أن محمداً نسي آيات من القرآن ولم يذكّره بها سوى تلاوة بعض أصحابه لها:

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعَ النَّبِيُّ رَجُلاً يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: "‏ يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذَا ‏" " صحيح البخاري [٤]

‏‏عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ ‏"‏ يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْتُ أَسْقَطْتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا ‏" " صحيح مسلم[٥]

‏ ‏.‏

أصحاب محمد كانوا أيضاً ينسون الآيات:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "‏ مَا لأَحَدِهِمْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ‏.‏ بَلْ هُوَ نُسِّيَ ‏" صحيح البخاري [٦]

‏‏سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ ‏"‏ بِئْسَمَا لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ سُورَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ أَوْ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ ‏" صحيح مسلم[٧]

كما أن محمداً كان - على ما يبدو - مرناً في تعامله مع النص الحرفي للقرآن فلم يكن يمانع أن تتم قراءة القرآن بالمعنى.

مصحف عثمان ومصاحف الصحابة

الخليفة عثمان يوحّد الرسم ويحرق المصاحف الأخرى

تقول الروايات بأن الخليفة الثالث عثمان تم إبلاغه بحصول تنازع بين أهل الشام وأهل العراق بسبب اختلاف قراءاتهم للقرآن، لذلك طلب عثمان من حفصة بنت عمر بن الخطاب أن تعطيه المصحف الموجود لديها – والذي جمعه زيد بن ثابت – لكي تقوم لجنة من النساخ بنسخه. وبعد عملية النسخ تم إرسال النسخ إلى عدة مدن مهمة مع أوامر بإحراق جميع المصاحف الأخرى. وعلى الرغم من ذلك استمرت بعض القراءات المخالفة لرسم المصحف العثماني استمرت لبعض الوقت قبل أن يندثر استخدامها، وقد بقيت بعض هذه القراءات مسجلة في العديد من الروايات في كتب الحديث وخاصة في كتاب المصاحف لابن أبي داود. وقد قام المستشرق آرثر جيفري (1892-1959) بجمع جميع ما ورد من قراءات الصحابة المخالفة لمصحف عثمان.[٨]

جاء في صحيح البخاري:

أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأْمِ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلاَفُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلاَفَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيْكِ فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاَثَةِ إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَىْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ‏.‏ [٩]

خلافات حول نص القرآن

تسجل الأحاديث الصحيحة والتفاسير العديد من القراءات المخالفة لرسم المصحف العثماني، وهي منسوبة لعدد من كبار الصحابة والتابعين.

  • مثال يتضمن آيتين متتاليتين ويعود لصحابيين: يروي البخاري[١٠] ومسلم [١١]أن ابن عباس كان يقرأ "وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ ‌كُلَّ ‌سَفِينَةٍ غَصْبًا" الكهف/79 هكذا: "وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ ‌كُلَّ ‌سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا"، وكان يقرأ "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ" الكهف/80 هكذا: "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِراً وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ". ويورد الطبري في تفسيره لهاتين الآيتين روايات تفيد بأن ابن مسعود كان يقرأ الآيتين مثل ابن عباس.
  • يروي مسلم في صحيحه [١٢]أن عائشة كانت تقرأ "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى‏" البقرة/238 هكذا: "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَصَلاَةِ الْعَصْرِ "، وتقول عائشة في الرواية أنها هكذا سمعت الرسول يتلوها ‏.‏ وفي رواية أخرى في صحيح مسلم [١٣]يقول الصحابي البراء بن عازب بأن الآية كانت في البداية "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلاَةِ الْعَصْرِ" ثم نُسخت فأصبحت: "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى‏". معظم المفسرين يقولون بأن المراد بالصلاة الوسطى هو صلاة العصر، مما يثير التساؤل حول الجدوى من نسخ "صلاة العصر" بـ "الصلاة الوسطى" طالما أن المعنى هو نفسه.
  • في تفسيره للآية 24 من سورة النساء: "فَمَا ‌اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ"، يورد الطبري روايات تبين أن ابن عباس وأُبَيْ بن كعب والتابعي سعيد بن جبير كانوا يقرأون الآية هكذا: "فَمَا ‌اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أَجَلٍ مُسَمَّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ". وهذه القراءة فيها تشريع لزواج المتعة الذي حرّمه محمد في آخر حياته وفقاً لأحاديث صحيحة، فيما يستدل البعض بروايات أخرى على أن عمر بن الخطاب هو الذي حرم زواج المتعة.


حاول بعض علماء المسلمين تأويل هذه الروايات بالقول بأن هذه القراءات هي في الحقيقة تفسيرات أضافها هؤلاء الصحابة إلى مصاحفهم. ولكن هذا التأويل يخفق أمام قراءات تتغير فيها الضمائر أو الحركات الإعرابية في الآية أو قراءات يحصل فيها حذف لكلمات، ومن الأمثلة على لذلك: قراءة ابن مسعود وأُبَي بن كعب بحذف "قل" من الآية الأولى من سورة الإخلاص " قُلْ هُوَ ‌اللَّهُ ‌أَحَدٌ"[١٤]، وقراءة أبي الدرداء وعبد الله بن مسعود – الواردة في البخاري- للآية " ‌وَمَا ‌خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى" الليل/3 بحذف "ما خلق" أي هكذا: "‌وَالذَّكَرَ وَالْأُنْثَى".[١٥] تأويل آخر قدمه علماء المسلمين لهذه الروايات وهو أن هذه القراءات هي من الأحرف السبعة، وهذا يمكن الرد عليه بالقول بأن الغاية من الأحرف السبعة كما ورد في الأحاديث هي التيسير على المسلمين[١٦]، فأين التيسير في حذف أو إضافة كلمات؟ بل إن هذا يشوش على المسلمين ويفتح باب الاختلاف والنزاع وهو ما حصل فعلاً في الجيل الأول للمسلمين مما دفع عثمان إلى توحيد المصاحف والقضاء على هذه القراءات التي يُقال بأنها من الأحرف السبعة. إن تصرف عثمان لا يثبت فقط بأن هذه القراءات كانت عديمة الفائدة بل كانت ضارة أيضاً.

مصحف ابن مسعود

عدد كبير من الروايات تبين أن عبد الله بن مسعود لم يضم الفاتحة والمعوذتين إلى مصحفه؛ فمثلاً يسجل صحيح البخاري - ولكن بشكل غير صريح- قول ابن مسعود أن المعوذتين ليستا من القرآن[١٧]، وقد بينت الروايات من مصادر أخرى ما هو القول الذي نُسب لابن مسعود في صحيح البخاري، ومن هذه المصادر مسند أحمد بن حنبل:
"عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ، يَحُكُّ ‌الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ مَصَاحِفِهِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ كِتَابِ اللهِ ". صححه شعيب الأرنؤوط [١٨]
كما أن مصحف ابن مسعود يحوي عدداً ضخماً من القراءات المخالفة لرسم المصحف؛ فبالاعتماد على مختلف المصادر لقراءة ابن مسعود نجد أن سورة البقرة لوحدها تحوي 101 اختلاف.[١٩]
نماذج لهذه الاختلافات من كتاب المصاحف لابن أبي داود[٢٠]:
مصحف عثمان: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ ‌مِثْقَالَ ‌ذَرَّةٍ" النساء/40
مصحف ابن مسعود: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ ‌مِثْقَالَ نَمْلَة".
مصحف عثمان: "وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ ‌خَيْرَ ‌الزَّادِ التَّقْوَى" البقرة/197
مصحف ابن مسعود: "وَتَزَوَّدُوا وَخَيْرَ ‌الزَّادِ التَّقْوَى".
مصحف عثمان: "لَيْسَ عَلَيْكُمْ ‌جُنَاحٌ ‌أَنْ ‌تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ" البقرة/198
مصحف ابن مسعود يضيف إلى آخر الآية: "في مواسم الحج".
مصحف عثمان: "فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ‌ثَلَاثَةِ ‌أَيَّامٍ" المائدة/89
مصحف ابن مسعود يضيف إلى آخر الآية: متتابعات.[٢١] وقد أورد هذه القراءة الطبري والزمخشري في تفسيريهما، وكذلك أبو عبيد في فضائل القرآن[٢٢]. وقد قرأ بهذه القراءة أيضاً أبي بن كعب[٢٣] وابن عباس[٢٤]. وقد استدل فقهاء المذهب الحنفي بهذه القراءة على أن أيام الصيام للكفارة يجب أن تكون متتابعة، فيما قال الشافعية بأن التتابع ليس شرطاً. وقد اعتمد الأحناف قراءة ابن مسعود كدليل فقهي في مسائل أخرى أيضاً مثل أن اليد اليمنى هي التي تُقطع لأن ابن مسعود قرأ: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما" بدلاً من "فاقطعوا أيديهما" التي في المصحف العثماني. [٢٥]
مكانة ابن مسعود في القرآن
يروي البخاري في صحيحه[٢٦]: ذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ لاَ أَزَالُ أُحِبُّهُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :"‏ خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسَالِمٍ وَمُعَاذٍ وَأُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ ‏".
من الملاحظ في الحديث السابق غياب أي ذكر لزيد بن ثابت الذي أوكلت إليه مهمة جمع القرآن في عهد أبي بكر ونسخ المصاحف في عهد عثمان.
ويروي مسلم في صحيحه[٢٧]: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود، قَالَ وَالَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ مَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ سُورَةٌ إِلاَّ أَنَا أَعْلَمُ حَيْثُ نَزَلَتْ وَمَا مِنْ آيَةٍ إِلاَّ أَنَا أَعْلَمُ فِيمَا أُنْزِلَتْ وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ ‏.‏
خلاف ابن مسعود مع عثمان حول المصحف
أقام ابن مسعود في الكوفة وصار أهلها يقرأون القرآن على قراءته، ولما جاءت الأوامر من عثمان باعتماد مصحفه وحرق ماسواه اعترض ابن مسعود على ذلك كما يروي الترمذي في سننه بإسناد صحيح:
قَالَ الزُّهْرِيُّ فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَرِهَ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ نَسْخَ الْمَصَاحِفِ وَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُعْزَلُ عَنْ نَسْخِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ وَيَتَوَلاَّهَا رَجُلٌ وَاللَّهِ لَقَدْ أَسْلَمْتُ وَإِنَّهُ لَفِي صُلْبِ رَجُلٍ كَافِرٍ يُرِيدُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ اكْتُمُوا الْمَصَاحِفَ الَّتِي عِنْدَكُمْ وَغُلُّوهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ ‏:‏ ‏(‏ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏)‏ فَالْقُوا اللَّهَ بِالْمَصَاحِفِ ‏.‏ قَالَ الزُّهْرِيُّ فَبَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ كَرِهَهُ مِنْ مَقَالَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ‏.[٢٨]
وروى ابن أبي داود في كتاب المصاحف[٢٩]:
قال عبد الله بن مسعود: "لقد قرأت القرآن من فيّ رسول الله سبعين سورة، وزيد بن ثابت صبي، أفأترك ما أخذت من فيّ رسول الله؟."
يقول الدكتور ريمون هارفي: تشير المصادر إلى ما لا يقل عن نصف قرن من مقاومة أهل الكوفة لفرض المصحف العثماني عليهم، بحيث استمروا على العمل بقراءة ابن مسعود في الصلوات الجماعية واستمروا على تعليم القرآن وفقاً لها.[٣٠]

مصحف أبي بن كعب

كان أبي بن كعب يُلقب بسيد القراء، هو من بين الأربعة الذين أمر محمد بتعلم القرآن منهم[٣١]، وقال عنه محمد بأنه الأفضل في القرآن: " أَقْرَأُ أُمَّتِي ‌أُبَيُّ ‌بْنُ ‌كَعْبٍ"[٣٢]، ووصفه عمر بذات الوصف وإن أبدى تجنبه لبعض قراءات أبي: قَالَ عُمَرُ: أُبَىٌّ أَقْرَؤُنَا وَإِنَّا لَنَدَعُ مِنْ لَحَنِ أُبَىٍّ، وَأُبَىٌّ يَقُولُ أَخَذْتُهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلاَ أَتْرُكُهُ لِشَىْءٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ‏{‏مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا‏} [٣٣]

أما مصحف أبي فقد احتوى على 116 سورة، أي أكثر بسورتين من مصحف عثمان (سيتم بحث المسألة بالتفصيل لاحقاً).

فيما يلي أمثلة لقراءة أبي بن كعب يتفق فيها مع ابن مسعود ويختلف فيها مع مصحف عثمان:

مصحف عثمان: "مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ ‌سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا" الحج/78.

مصحف أبي: "مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ اللهُ ‌سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا"[٣٤]

مصحف عثمان: "مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا ‌لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى" الزمر/3

مصحف أبي: "مَا نَعْبُدُكُمْ إِلَّا ‌لِتُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى"[٣٥]

مصحف عثمان: "وَكَتَبْنَا ‌عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ" المائدة/45

مصحف أبي: "وَأَنْزَلَ اللهُ على بني إسرائيل أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَأن الْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ" [٣٦]

مصحف ابن عباس

وفقاً للبخاري ومسلم[٣٧][٣٨] يضيف ابن عباس آية كاملة بعد الآية "وَأَنْذِرْ ‌عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ" الشعراء/214، تقول رواية البخاري:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضى الله عنهما ـ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ ‏{‏وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ‏}‏ وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ ‏"‏ يَا صَبَاحَاهْ ‏"‏‏.‏ فَقَالُوا مَنْ هَذَا، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ‏.‏ فَقَالَ ‏"‏ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ‏"‏‏.‏ قَالُوا مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا‏.‏ قَالَ ‏"‏ فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ‏"‏‏.‏ قَالَ أَبُو لَهَبٍ تَبًّا لَكَ مَا جَمَعْتَنَا إِلاَّ لِهَذَا ثُمَّ قَامَ فَنَزَلَتْ ‏{‏تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ‏}‏ وَقَدْ تَبَّ هَكَذَا قَرَأَهَا الأَعْمَشُ يَوْمَئِذٍ‏.‏
روى الطبري في تفسيره العديد من الروايات التي يقول فيها ابن عباس بأن كلمة "تستأنسوا" في الآية "لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى ‌تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا" النور/27 هي خطأ من الكاتب وأن الصواب هو "تستأذنوا". وقد ورد الخبر في مصادر أخرى، وصححه الحاكم والذهبي[٣٩] وابن حجر. وقد أورد الطبري أن ابن مسعود وأبي بن كعب كلاهما يقرأ "تستأذنوا". ومن اللافت أيضاً أن نص الآية في النص السفلي لمخطوطة صنعاء - وهو أقدم نص قرآني مكتشف ويعود إلى ما قبل توحيد عثمان للمصاحف - نجد أن الكلمة في الآية مكتوبة "تستأذنوا". كل هذا يرجح صحة قول ابن عباس بأن "تستأنسوا" كانت خطأ من الكاتب.
وفي الآية "وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا" الإسراء/23، يقول ابن عباس بأنها خطأ من الكاتب وأن القراءة الصحيحة هي "ووصى" بدلاً من "وقضى"، وهي أيضاً قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب. يقول القرطبي في تفسيره للآية: "وفي مصحف ابن مسعود «ووصَّى» وهي قراءة أصحابه وقراءة ابن عباس أيضاً وعليّ وغيرهما، وكذلك عند أُبَيّ بن كعب. قال ابن عباس: إنما هو «ووصى ربك» فالتصقت إحدى الواوين فقرئت «وقضى ربك» إذ لو كان على القضاء ما عصى الله أحد. وقال الضحاك: تصحفت على قوم «وصى بقضى» حين اختلطت الواو بالصاد وقت كَتْب المصحف".[٤٠]

أقدم المخطوطات القرآنية المكتشفة

عدد كبير من المخطوطات القرآنية الحجازية يعود إلى القرن الهجري الأول كما بين الفحص الكربوني. لا توجد مخطوطة واحدة منها تشمل كامل القرآن، إلا أن المخطوطات بمجموعها تغطي معظم سور القرآن. جميع هذه المخطوطات المبكرة- باستثناء النص السفلي لمخطوطة صنعاء- توافق المصحف العثماني، ولكن هذه المخطوطات لا تتطابق مع بعضها بشكل تام؛ إذ يمكن تقسيم المخطوطات المبكرة إلى الأقاليم التي تنتمي إليها حيث يختص كل إقليم بعدد بسيط من القراءات الخاصة؛ فمثلاً ما يتبع للبصرة من مخطوطات توجد فيها قراءات لا توجد في المخطوطات التي تتبع للمدينة أو الشام، وهو ما يسميه علماء المسلمين باختلاف رسم مصاحف الأمصار، وقد دونوا هذه الاختلافات في كتبهم وقالوا بأن النسخ التي أرسلها عثمان هي نفسها كانت مختلفة عن بعضها مما أدى لظهور هذه الاختلافات بين مصاحف المناطق المختلفة. كما أن العديد من هذه المخطوطات المبكرة تحوي قراءات تعتبر اليوم من القراءات الشاذة المنسوبة للصحابة[٤١] ، وهذا ملاحظ بشكل خاص في النص السفلي لمخطوطة صنعاء. [٤٢] [٤٣] .

لقد بينت الدراسة التحليلية التي قام بها مايكل كوك وجود علاقة ترابط بين الاختلافات في رسم مصاحف الأمصار بحيث تمثل هذه العلاقة ما يشبه شجرة النسب[٤٤]. وعبر دراسة توزيع بعض الظواهر الهجائية - مثل كتابة التاء المربوطة هاء أو تاء - أثبت الباحث فان بوتن أن جميع المخطوطات القرآنية - باستثناء مخطوطة صنعاء - تتبع لأصل مشترك واحد وهو الذي يُفترض بأنه المصحف الذي جمعه عثمان.[٤٥]

آيات وسور مفقودة من القرآن

آية الرجم

تشير بعض الأحاديث إلى آيات مفقودة من القرآن، ومن بين هذه الآيات آية الرجم المتعلقة بعقوبة الزنا. المصحف الحالي لا يذكر سوى الجلد كعقوبة للزنا.
يروي مسلم في صحيحه:
"...أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الاِعْتِرَافُ ‏.‏"[٤٦]
كانت آية الرجم موجودة في سورة الأحزاب، ووفقاً للروايات التي أوردها السيوطي في كتابه "الإتقان في علوم القرآن" فإن نص آية الرجم هو: "الشَّيْخُ ‌وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ."[٤٧]
هذه الآية بالإضافة إلى آية رضاع الكبير، كانتا مكتوبتين على ورقة فأكلها الداجن كما يروي ابن ماجه في سننه:
"عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ لَقَدْ نَزَلَتْ آيَةُ الرَّجْمِ وَرَضَاعَةُ الْكَبِيرِ عَشْرًا وَلَقَدْ كَانَ فِي صَحِيفَةٍ تَحْتَ سَرِيرِي فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وَتَشَاغَلْنَا بِمَوْتِهِ دَخَلَ دَاجِنٌ فَأَكَلَهَا ‏.‏"[٤٨] حسنه الألباني
وقد أكد عمر بن الخطاب أن آية الرجم كانت من القرآن كما يروي مسلم في صحيحه عن عمر: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا". [٤٩]
قبل أن يتم فقدان آية رضاع الكبير، تم نسخها إلى نسخة مخففة كما قالت عائشة: "كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ‏.‏ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ." رواه مسلم[٥٠]
وكان رضاع الكبير محل استنكار لدى زوجات محمد كما يروي مالك في الموطأ: "وَأَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَقُلْنَ لاَ وَاللَّهِ مَا نَرَى الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ إِلاَّ رُخْصَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي رَضَاعَةِ سَالِمٍ وَحْدَهُ لاَ وَاللَّهِ لاَ يَدْخُلُ عَلَيْنَا بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ". [٥١]


ضياع معظم سورة الأحزاب

لم تكن آية الرجم هي الوحيدة التي فُقدت من سورة الأحزاب؛ فوفقاً لعدد كبير من الروايات كانت سورة الأحزاب تعادل سورة البقرة. للمقارنة فإن سورة البقرة في مصحف المدينة الشائع اليوم تحتل 48 صفحة، فيما سورة الأحزاب تحتل 9 صفحات فقط.

يروي الحاكم في المستدرك: "عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: " كَانَتْ سُورَةُ ‌الْأَحْزَابِ تُوَازِي سُورَةَ ‌الْبَقَرَةِ وَكَانَ فِيهَا: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ» " تعليق الذهبي: صحيح. [٥٢]

ويقر موقع "الإسلام سؤال وجواب" للفتاوى بصحة هذه الأخبار[٥٣][٥٣]، وينقل عن ابن حزم قوله: "إسناده صحيح كالشمس". وعن ابن كثير في تفسيره: " وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ ، وَهُوَ يَقْتَضِي أنه قد كَانَ فِيهَا قُرْآنٌ ثُمَّ نُسِخَ لَفْظُهُ وَحُكْمُهُ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ".

ويبرر الموقع هذا الخبر بأنه يندرج تحت بند نسخ التلاوة، دون أن يبين أين تكمن الحكمة في حذف أقسام كبيرة من كتاب يُفترض بأنه كلام الله وخطابه الأخير للبشر ويُفترض بأنه يحوي من الحكمة والإعجاز ما يعجز عنه كل البشر.

سورتا الحفد والخلع

في حين أن مصحف ابن مسعود يحذف ثلاث سور - الفاتحة والمعوذتين - فإن مصحف أبي بن كعب كان يحوي 116 سورة أي يضيف سورتين على مصحف عثمان وهما سورة الحفد وسورة الخلع، وموقعهما في مصحف أبي بين سورة العصر (103) وسورة الهمزة (104).[٥٤]

نص السورتين كما وردتا في الإتقان للسيوطي[٥٥]:

سورة الخلع

بسم الله الرحمن الرحيم

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ وَنُثْنِي عَلَيْكَ وَلَا نُكْفُرُكَ وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُرُكَ.

سورة الحفد

بسم الله الرحمن الرحيم

اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ إِنَّ عَذَابَكَ بِالْكُفَّارِ مُلْحَقٌ.


السورتان هما أدعية أي مثل سور الفاتحة والمعوذتين، ولذلك على ما يبدو وقع الخلاف في قرآنية الفاتحة والمعوذتين والحفد والخلع حيث لم يُعرف بالضبط هل هي أدعية أم قرآن.

وفقاً لبعض المصادر فإن ابن مسعود وابن عباس أضافا الحفد والخلع إلى مصحفيهما[٥٦][٥٧]، ولكن تبقى الأخبار عن إضافة أبي بن كعب للسورتين هي الأكثر وروداً في المصادر. وتذكر المصادر أيضاً أن عثمان بن عفان وعمر بن الخطاب استخدما الحفد والخلع في دعاء القنوت بعد الركوع. [٥٨] يقول السيوطي: قَالَ: الْحُسَيْنُ بْنُ الْمُنَادِي فِي كِتَابِهِ" النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ" وَمِمَّا رُفِعَ رَسْمُهُ مِنَ الْقُرْآنِ وَلَمْ يُرْفَعْ مِنَ الْقُلُوبِ حِفْظُهُ سُورَتَا الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ وَتُسَمَّى سُورَتَيِ الْخَلْعِ ‌وَالْحَفْدِ.[٥٩]

لا يبدو بأن الصحابة كانوا متفقين على طبيعة الحفد والخلع خاصة حين نجد أن صحابياً بارزاً مثل أبي بن كعب - وهو من الأربعة الذين أمر محمد بأخذ القرآن منهم - نجده قد أضاف الحفد والخلع إلى مصحفه المستفيض ذكره في المصادر. كما لا يبدو بأن الصحابة كانوا متفقين على طبيعة السور التي تبدو كأدعية، خاصة أن ابن مسعود حذف من مصحفه الفاتحة والمعوذتين. يذكر ابن كثير في تفسيره رواية تفيد بأن ابن مسعود حذف الفاتحة للاختصار: «قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: لِمَ لَمْ تَكْتُبِ الْفَاتِحَةَ فِي مُصْحَفِكِ؟ قَالَ: لَوْ كَتَبْتُهَا ‌لِكَتَبْتُهَا ‌فِي ‌أَوَّلِ ‌كُلِّ ‌سُورَةٍ.»[٦٠]

فقدان السورة التي تشبه التوبة وفيها آية الواديين

يروي مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري، الذي كان من علماء القرآن من الصحابة، بأنه كانت هناك سورة تشبه التوبة في طولها وموضوعها، وبأنه لا يتذكر منها سوى آية واحدة:

"قَالَ بَعَثَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ إِلَى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ ثَلاَثُمِائَةِ رَجُلٍ قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ فَقَالَ أَنْتُمْ خِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقُرَّاؤُهُمْ فَاتْلُوهُ وَلاَ يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ كَمَا قَسَتْ قُلُوبُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَإِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا فِي الطُّولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةَ فَأُنْسِيتُهَا غَيْرَ أَنِّي قَدْ حَفِظْتُ مِنْهَا لَوْ كَانَ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لاَبْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا وَلاَ يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ ‏.‏ وَكُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا بِإِحْدَى الْمُسَبِّحَاتِ فَأُنْسِيتُهَا غَيْرَ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْهَا ‏{‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ‏}‏ فَتُكْتَبُ شَهَادَةً فِي أَعْنَاقِكُمْ فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏.‏" [٦١]

ويروي البخاري عن ابن عباس بأنه سمع ذات الآية من محمد ولكنه لا يعرف هل هي قرآن أم لا:

سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ ‏"‏ لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ مِثْلَ وَادٍ مَالاً لأَحَبَّ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ مِثْلَهُ، وَلاَ يَمْلأُ عَيْنَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ ‏"‏‏.‏ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَلاَ أَدْرِي مِنَ الْقُرْآنِ هُوَ أَمْ لاَ‏.‏ قَالَ وَسَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ ذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ‏.‏[٦٢]

ويقول أبي بن كعب عن ذات الآية: " كُنَّا نَرَى هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ ‏{‏أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ‏}‏" [٦٣]

ويقول أيضاً: " قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ» فَقَرَأَ: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} [البينة: 1] وَمِنْ نَعْتِهَا لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ سَأَلَ وَادِيًا مِنْ مَالٍ، فَأَعْطَيْتُهُ، سَأَلَ ثَانِيًا، وَإِنْ أَعْطَيْتُهُ ثَانِيًا، سَأَلَ ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ، وَإِنَّ ‌الدِّينَ ‌عِنْدَ ‌اللَّهِ ‌الْحَنِيفِيَّةُ غَيْرَ الْيَهُودِيَّةِ، وَلَا النَّصْرَانِيَّةِ، وَمَنْ يَعْمَلْ خَيْرًا فَلَنْ يُكْفَرَهُ" رواه الحاكم في مستدركه وصححه الذهبي[٦٤]

سورة التوبة كانت بحجم سورة البقرة

عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «مَا تَقْرَءُونَ رُبُعُهَا، يَعْنِي بَرَاءَةَ، وَإِنَّكُمْ تُسَمُّونَهَا سُورَةَ التَّوْبَةِ وَهِيَ سُورَةُ الْعَذَابِ» رواه الحاكم وصححه الذهبي [٦٥]

ويقول القرطبي في أول تفسيره لسورة براءة: وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إِنَّهُ لما سقط أو لها سَقَطَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَعَهُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سُورَةَ" بَرَاءَةٌ" كَانَتْ تَعْدِلُ الْبَقَرَةَ أَوْ قُرْبَهَا فَذَهَبَ مِنْهَا فَلِذَلِكَ لَمْ يُكْتَبْ بَيْنَهُمَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَتْ مِثْلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.

القراءات

لأن الرسم العثماني كان خالياً من النقط والتشكيل فإنه كان يحتمل أن يُقرأ بطرق مختلفة. في البداية كان هناك عدد كبير من القراءات، فمثلاً وصف أبو عبيد القاسم بن سلام (157هـ - 224 هـ) وصف 25 قراءة، ثم قام ابن مجاهد (ت 324 هـ) بحصر القراءات في سبع قراءات، ثم قام ابن الجزري (ت 833هـ) بإضافة ثلاث قراءات على السبع وهي قراءات أبي جعفر المدني ويعقوب البصري وخلف الكوفي، وهم قراء مشهورون من زمن القراء السبعة وقراءاتهم - باستثناء خلف- تحوي اختلافات غير موجودة في القراءات السبع. وقد اعتبر بعض علماء المسلمين القراءات الثلاث أقل ثبوتاً من القراءات السبع[٦٦]، وقد أبدى ابن الجزري استياءه من أن الناس لا يقبلون سوى القراءات السبع.[٦٧]

يقول الزركشي (ت 794ه) في كتابه البرهان في علوم القرآن بأن القراءات متواترة بل وحتى ما يختلف فيه القراء هو أيضاً متواتر؛ فمع أن الصلة بين النبي وإمام القراءة لا تتجاوز السند الواحد أو عدة أسانيد، فإن قراءة الإمام متواترة عن الرسول لأن أهل المدينة التي ينتمي إليها الإمام هم أيضاً تلقوا هذه القراءة وسمعوها فليس الأمر منحصراً فقط في الأسانيد. يقول البروفوسور شادي ناصر بأنه من الصعب قبول فرضية الزركشي لأنه في هذه الحالة يجب ألا تحصل اختلافات في القراءة الواحدة التابعة للإمام فمثلاً هناك اختلافات كثيرة بين قراءة حفص عن عاصم وقراءة شعبة عن عاصم، وكذلك هناك اختلافات بين رواية ورش عن نافع وقالون عن نافع. سبب آخر لرفض فرضية الزركشي هو وجود أكثر من إمام في القراءة في المدينة الواحدة ومع ذلك فإن قراءة كل إمام منهم مختلفة، كما هو الحال في الاختلاف بين قراءتي أبي جعفر المدني ونافع المدني.

أما ابن الجزري ففي البداية كان يرى تواتر القراءات العشر بكل ما فيها حيث حصل على فتوى من ابن السبكي تفيد بأن القراءات العشر متواترة، إلا أن ابن الجزري غيّر رأيه بعد ذلك قائلاً:

"وَقَدْ شَرَطَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ التَّوَاتُرَ فِي هَذَا الرُّكْنِ,وَلَمْ يَكْتَفِ فِيهِ بِصِحَّةِ السَّنَدِ ، وَزَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ إِلاَّ بِالتَّوَاتُرِ ، وَإِنَّ مَا جَاءَ مَجِيءَ الْآحَادِ لَا يَثْبُتُ بِهِ قُرْآنٌ ، وَهَذَا مَا لَا يَخْفَى مَا فِيهِ ، فَإِنَّ التَّوَاتُرَ إِذَا ثَبَتَ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الرُّكْنَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مِنَ الرَّسْمِ وَغَيْرِهِ إِذْ مَا ثَبَتَ مِنْ أَحْرُفِ الْخِلَافِ مُتَوَاتِرًا عَنِ النَّبِيِّ -r- وَجَبَ قَبُولُهُ وَقُطِعَ بِكَوْنِهِ قُرْآنًا، سَوَاءٌ وَافَقَ الرَّسْمَ أَمْ خَالَفَهُ وَإِذَا اشْتَرَطْنَا التَّوَاتُرَ فِي كُلِّ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْخِلَافِ انْتَفَى كَثِيرٌ مِنْ أَحْرُفِ الْخِلَافِ الثَّابِتِ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ السَّبْعَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدْ كُنْتُ قَبْلُ أَجْنَحُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ ، ثُمَّ ظَهَرَ فَسَادُهُ وَمُوَافَقَةُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ» .[٦٨]

لكل إمام في القراءة العديد من الرواة، ولكن تم الاتفاق بين العلماء على اعتماد راويين اثنين فقط عن كل إمام؛ فمثلاً نافع المدني تم اختيار اثنين من رواته وهم ورش وقالون. يقول شادي ناصر بأن اختيار اثنين من الرواة عن كل إمام من الأئمة السبعة قد أصبح القاعدة المتبعة بسبب الشهرة الكبيرة لعملين اثنين: كتاب الداني التعليمي والمبسط في القراءات والذي اقتصر فيه على ذكر راويين اثنين فقط عن كل إمام من السبعة، والعمل الثاني هو قصيدة الشاطبي المبنية على كتاب الداني. وحين أضاف ابن الجزري ثلاثة قراء على السبعة اتبع ذات النهج واختار راويين عن كل قارئ من الثلاثة وهكذا صار مجموع الرواة المعتمدين في القراءة عشرين رواياً عن عشرة قراء.

القراء العشرة ورواتهم المعتمدون

القارئ الراويان
الاسم الولادة الوفاة الاسم الولادة الوفاة
نافع المدني 70 هجري 169ميلادي

785 هجري

قالون 120 هجري 220 هجري(835 ميلادي)
ورش 110هجري 197 هجري (812 ميلادي)
ابن كثير المكي 45 هجري 120 هجري (738 ميلادي) البزي 170 هجري 250 هجري (864 ميلادي)
قنبل 195 هجري 291 هجري (904 ميلادي)
ابو عمرو البصري 68 هجري 154 هجري (770 ميلادي) الدوري 150 هجري 246 هجري (860 ميلادي)
السوسي ? 261 هجري (874 ميلادي)
ابن عامر الدمشقي 8 هجري 118 هجري (736 ميلادي) هشام 153هجري 245 هجري (859 ميلادي)
ابن ذكوان 173 هجري 242 هجري(856 ميلادي)
عاصم بن ابي النجود ? 127 هجري(745 ميلادي) شعبة 95 هجري 193 هجري (809 ميلادي)
حفص 90 هجري 180 هجري (796 ميلادي)
حمزة الزيات 80 هجري 156 هجري(773 ميلادي) خلف 150 هجري 229 هجري(844 ميلادي)
خلاد ? 220 هجري (835 ميلادي)
الكسائي 119 هجري 189 هجري (804ميلادي) الليث ? 240 هجري (854 ميلادي)
الدوري 150هجري 246 هجري(860 ميلادي)
ابو جعفر المدني ? 130 هجري عيسى بن وردان ? 160 هجري
ابن جمّاز ? 170 هجري
يعقوب البصري 117 هجري 205 هجري رويس ? 238 هجري
روح ? 234 هجري
خلف 150 هجري 229 هجري اسحق ? 286هجري
إدريس 189 هجري 292 هجري


العلاقة بين القراءات والأحرف السبعة

تستمد القراءات شرعيتها من الروايات التي تقول بأن القرآن نزل على سبعة أحرف. وقد وقع خلاف كبير بين العلماء في معنى الأحرف السبعة حتى وصلت تفسيراتهم لها إلى أربعين تفسيراً كما يقول السيوطي. [٦٩] أحد أكثر التفسيرات رواجاً هو أن الأحرف السبعة هي سبع لهجات من لهجات العرب، وأنا ما أُبقي عليه في مصحف عثمان هو حرف قريش فقط. وينقض هذا التفسير أولاً: أن عدداً كبيراً من الاختلافات بين القراءات هي غير متعلقة باللهجات، وثانيا: أن هشام بن حكيم وعمر بن الخطاب كلاهما من قريش ومع ذلك فقد اختلفا في القراءة فاحتكما إلى الرسول فقال: "‏ كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ‏"‏‏.[٧٠]

قضية أخرى اختلف فيها علماء المسلمين هي هل كل الأحرف السبعة محفوظة أم لا. قسم من العلماء - يضم ابن حزم - يستبعدون تماماً أن يكون أي حرف قد أُسقط من القرآن ويعتقدون بأن كل الأحرف يحتملها رسم المصحف العثماني[٧١]. بينما يقول الطبري بأن حرفاً واحداً فقط هو المحفوظ في مصحف عثمان، أما ابن الجزري فيتبنى رأي أغلبية العلماء وهو أن فقط بعض الأحرف التي يحتملها رسم المصحف هي التي حُفظت[٧٢]. وهذا الرأي الأخير هو الأكثر ملائمة للمعتقد الإسلامي لأنه وفقاً للرأي الأول لا بد أن تكون الروايات عن قراءات الصحابة مكذوبة.

ووفقاً لرأي الأغلبية السابق ذكره، فإن مصحف عثمان موافق للعرضة الأخيرة، يذكر البخاري حديثاً عن الرسول: "إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ".[٧٣] ولكن المصاحف التي أرسلها عثمان للأمصار احتوت على ما يقارب الأربعين اختلافاً، وقد استوعبت القراءات العشر هذه الاختلافات بحيث أن كل قارئ تتوافق قراءته بشكل شبه تام مع المصحف المتبع في منطقته فتجد أبا عمرو البصري يتبع المصحف البصري وتجد عاصم الكوفي يتبع المصحف الكوفي وهكذا. وفي حالات نادرة لم يتبع القراء رسم المصحف كما في الآية "قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ ‌لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا" مريم/19 حيث قرأها نافع وورش "ليهب" بالياء.

يعتقد بعض الباحثين مثل شادي ناصر بأن حديث الأحرف السبعة هو حديث مختلق على محمد وتم اختلاقه في مرحلة مبكرة لتبرير وتقبل القراءات المختلفة. ووفقاً لتفسير منطقي آخر فإن محمداً كان يخطئ وينسى في تلاوته ولذلك استخدم الأحرف السبعة كمبرر لهذه الاختلافات وكوسيلة لمنع الخلاف بين أصحابه حيث أن جميع الصور المختلفة للآيات مقبولة.

الاختلافات بين القراءات

دائماً ما يقال للعامة بأن الاختلافات بين القراءات هي متعلقة بالنطق واللهجات والإملاء، وهو ما يُسمى في القراءات بالأصول أي قواعد تسير عليها كامل القراءة المنسوبة لأحد الأئمة. ولكن إلى جانب الأصول فهناك نوع آخر من اختلاف القراءات يُسمى بفرش الحروف أي اختلافات لا تسير على قاعدة وغالباً ما تطال بنية الكلمة نفسها من نقط أو تشكيل. وفي بعض الحالات تختلف القراءات إلى درجة إضافة أو حذف كلمات كاملة أو تغير الكلمة إلى كلمة أخرى مختلفة في المعنى وأحياناً مناقضة أيضاً.

عدد اختلافات فرش الحروف بين القراءات العشر يصل إلى نحو ألف، أي يطال 2% من القرآن. البعض من هذه الاختلافات متعلق باللهجة، والبعض الآخر بالتشكيل. أما الاختلاف بالنقط فيطال 300 كلمة وفي الغالب يؤدي اختلاف النقط إلى تغير الضمير أو تغير الكلمة إلى كلمة أخرى مختلفة. بالإضافة إلى ذلك يوجد 40 اختلافاً ناشئاً من اختلاف المصاحف العثمانية.

من أمثلة اختلاف النقط:

"أُولَئِكَ ‌سَوْفَ ‌يُؤْتِيهِمْ ‌أُجُورَهُمْ" النساء/152، قرأها بالياء حفص عن عاصم، والبقية قرأوها: نؤتيهم. [٧٤]

ومن أمثلة اختلاف رسم المصاحف العثمانية:

"وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ ‌الْغَنِيُّ ‌الْحَمِيدُ" الحديد/24، جميع المصاحف تثبت "هو" إلا مصاحف المدينة والشام فتحذفها وهي كذلك في قراءتي نافع وأبي جعفر المدنيين وابن عامر: "وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ الْغَنِيُّ ‌الْحَمِيدُ".[٧٥]


الاختلاف بين قراءتي حفص وورش

قراءة حفص عن عاصم هي الأكثر شيوعًا وهي مستخدمة في معظم مناطق العالم الإسلامي. فيما تنتشر قراءة ورش عن نافع بشكل رئيسي في غرب وشمال غرب أفريقيا وكذلك في مناطق الزيدية في اليمن. فيما يلي أمثلة على الاختلافات بين قراءتي ورش وحفص وهي مأخوذة من "مصحف الصحابة في القراءات العشر":

آية حفص ورش ملاحظات
البقرة 2:125 ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ واتَّخَذُوا
البقرة 2:140 ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ أم يقولون
البقرة2:184 ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ مساكين يختلف الحكم بين القراءتين حول فدية الإفطار في رمضان
آل عمران 3:81 ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ آتيناكم
آل عمران 3:146 ﴿‌وَكَأَيِّنْ ‌مِنْ ‌نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قُتِل
الأعراف 7:57 ﴿وَهُوَ الَّذِي ‌يُرْسِلُ ‌الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ نُشْرًا
يوسف 12:64 ﴿قَبْلُ فَاللَّهُ ‌خَيْرٌ ‌حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ خَيْرٌ حِفْظاً
مريم 19:19 ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ ‌غُلَامًا ‌زَكِيًّا ﴾ ليهب هذا اقتباس من كلام جبريل لمريم. فأي واحدة منهما هي التي قالها جبريل؟
الأنبياء 21:4 ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ قل
الزخرف43:19 ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ ‌عِبَادُ ‌الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ عند الرحمن
الحديد57:24 ﴿فَإِنَّ اللَّهَ ‌هُوَ ‌الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ من اختلافات المصاحف العثمانية

اختلافات بين القراءات العشر

هناك العديد من الاختلافات بين القراءات الأخرى غير تلك الخاصة بحفص وورش. فيما يلي بعض الأمثلة:

آية القراءة 1 القراءة 2 ملاحظات
المائدة 5:6 ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ‌وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب بنصب "وأرجلَكم" قرأ الآخرون بالكسر "وأرجلِكم" قراءة النصب تفيد غسل الرجلين وقراءة الجر تفيد مسح الرجلين
الإسراء 17:102 ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ قرأ الكسائي "لقد علمتُ" في القراءة الأولى فرعون هو الذي علم، وفي الثانية موسى هو الذي علم
طه 20:96 ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ حمزة والكسائي وخلف "تبصروا"
يوسف 12:12 ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ نافع وأبو جعفر "يرتعِ ويلعب" بكسر العين، وابن كثير "نرتعِ ونلعبْ"، وأبو عمرو وابن عامر "نرتعْ ونلعبْ". "يرتعْ" بإسكان العين من اللهو، و"يرتعِ" بكسر العين من الرعي.
يوسف 12:49 ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ حمزة والكسائي وخلف: "تعصرون"
يوسف12:63 ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ حمزة والكسائي وخلف: "يكتل"
هود 11:81 ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ‌إِلَّا ‌امْرَأَتَكَ﴾ قرأ أبو عمرو وابن كثير "إلا امرأتُك" بالرفع قراءة النصب تأمر بألا يأخذ لوط زوجته معه، وقراءة الرفع تأمرهم بعدم الالتفات وهم خارجون إلا زوجته أي أن زوجته قد خرجت. القراءتان متناقضتان


وجهة النظر الإسلامية التقليدية تقول بأن كل أوجه القراءات قد تم ترتيلها من قبل محمد حتى لو كانت الأوجه مختلفة إلى درجة تغير الكلمة بأكملها أو حذف أو إضافة كلمة، ولكن هذا يصعب قبوله للأسباب التالية:

وجود اختلافات متناقضة كما مر في الجدول السابق، وكثرة الاختلافات السطحية عديمة الجدوى، وكثرة الاختلافات التي اتفق أنها تنطبق على رسم الكلمة المكتوبة الخالية من النقط والتشكيل بحيث يصعب قبول أن اختلاف القراءة ليس ناشئاً عن إمكانية قراءة الكلمة المكتوبة بأكثر من طريقة، كمثال على ذلك:

﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ ‌عِبَادُ ‌الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ الزخرف/19، قرأها نافع وأبو جعفر وابن كثير وابن عامر ويعقوب: الذين هم عند الرحمن[٧٦]. وفقاً لوجهة النظر التقليدية فإن الرسول قد قرأ الآية مرة "عباد الرحمن" ومرة أخرى بكلمة أخرى مختلفة تماماً "عند الرحمن"، ثم اتفق مصادفة أن رسم المصحف العثماني احتمل كلمتين مختلفتين تماماً. التفسير المنطقي هو أن خلو النص من النقط والتشكيل هو الذي أنتج كلمتين مختلفتين تماماً.


منشأ اختلاف القراءات

يقول البروفوسور شادي ناصر بأن الالتزام بخط المصحف واتباع الأفصح من قواعد العربية كانا معيارين مهمين في القراءات زمن ابن مجاهد[٧٧]، ولكن ابن مجاهد اختار السبعة قراء لأن كل واحد منهم كانت قراءته مشتهرة أو محل إجماع في مدينته، وهكذا اختار قراء من المدينة ومكة والبصرة ودمشق وأشهر ثلاثة قراء من الكوفة.

ويبين شادي ناصر أن أئمة في النحو مثل الفراء[٧٨]، وعلماء مثل الطبري كانوا ينتقدون القراءات ومن بينها القراءات التي تم اختيارها بعد ذلك من ابن مجاهد وابن الجزري لتصبح هي القراءات الشرعية الوحيدة، وكذلك فعل الزمشخري حيث انتقد العديد من الأوجه التي تنتمي للقراءات العشر. بل حتى ابن مجاهد نفسه انتقد عدداً من الأوجه في القراءات السبع وصافاً إياها بأنها "غلط"، ومن أمثلة ذلك قوله: «وَاخْتلفُوا فِي قَوْله {كن فَيكون} 117 فِي نصب النُّون وَضمّهَا فَقَرَأَ ابْن عَامر وَحده {كن فَيكونَ} بِنصب النُّون

قَالَ أَبُو بكر - أي ابن مجاهد- وَهُوَ ‌غلط. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ {فَيكونُ} رفعا»[٧٩]

الاعتقاد بأن جميع الأوجه الواردة في القراءات العشر أو السبع قد جاءت من الرسول هو اعتقاد انتشر في وقت متأخر لم يعد فيه مجال للمفاضلة بين القراءات على عكس ما كان حاصالاً قبل ذلك حين كان من الشائع المقارنة والمفاضلة بين أوجه القراءات.

يقول شادي ناصر: "المعضلة التي أدت إلى الكثير من الجدل على مدار قرون كانت حول أصل ومصدر قراءة أئمة القراءة: هل كانت قراءاتهم متواترة أم أسانيدها آحادية؟ هل هناك قراءات أفضل من أخرى أم أن جميع القراءات متساوية في إلهية المصدر؟". [٨٠]


يقول الدكتور مارين فان بوتن بأن قراءة كل إمام من العشرة تتطابق مع اختلافات رسم المصحف الخاصة بمنطقته حيث أن النسخ التي أرسلها عثمان حصلت أخطاء في نسخها أدت إلى وجود اختلافات يسيرة بين النسخ، وهكذا تجد مثلاً بأن قراءات حمزة وعاصم والكسائي وخلف - وهم من الكوفة - تتطابق مع اختلافات الرسم الخاصة بالمصحف الذي أرسل إلى الكوفة. يقول فان بوتن بأن هذه ستكون مصادفة كبيرة لو أن الاعتماد في القراءة كان فقط على الرواية الشفوية؛ فكيف تتطابق الروايات الشفوية التي تلقاها أئمة الكوفة الأربعة والتي تعود إلى الرسول كيف اتفق لها أن تتطابق مع الاختلافات الخاصة بالمصحف الذي أُرسل إلى الكوفة؟. هذا ينفي أن تكون القراءة مبنية كلياً على التلقي الشفوي، ولكن هذا لا ينفي وجود التلقي الشفوي بأكمله لأن التطابق بين القراءات العشر في معظم القرآن - على الرغم من خلوه من النقط والتشكيل - يدل على وجود تلقي شفوي؛ فلو كان الأئمة يعتمدون فقط على رسم المصحف العثماني لكانت الاختلافات بينهم أكثر. [٨١]

وكذلك فإن دراسة الاختلافات في رسم المصاحف العثمانية أثبتت وجود علاقة شجرة نسب بين الاختلافات المنتمية للمناطق المختلفة مما يعني أن هذه الاختلافات نتجت من أخطاء كتابية ولا علاقة لها بالنقل الشفوي. [٨٢]

بما أن أئمة القراءة قد تبنوا الأوجه الموجودة في مصاحفهم، فهذا معناه أن هناك قراءات نشأت من الرسم، وهذا يعني أيضاً أنه من الممكن لقراءات أخرى أن تنشأ من الرسم ومن مواضع لم يحصل فيها اختلاف بين المصاحف العثمانية. يقدم منذر يونس مثالاً جيداً على ذلك في الآية "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ‌فَتَبَيَّنُوا" الحجرات/6، حيث قرأها حمزة والكسائي وخلف "فتثبتوا".[٨٣] في هذه الحالة فإن كلمتي "تبينوا" و"تثبتوا" لا يشترك جذرهما ولا حتى في حرف واحد: بان، ثبت. ولكن مع ذلك فأن الكلمتين تتوافقان مع الرسم العثماني للكلمة الخالية من النقط والتشكيل. أمثلة أخرى مشابهة:

"يَقُصُّ ٱلْحَقَّ" الأنعام/57 قرأها ستة من القراء العشر: "يقضِ الحق"[٨٤].

"هُنَالِكَ تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ" يونس/30 قرأها حمزة والكسائي وخلف "تتلو"[٨٥]

في هذه الأمثلة السابقة فإن العلاقة بين القراءات المختلفة هي في الرسم فقط وليس في نطقها؛ فلا يجمع بين كلمة "يقص" و "يقضِ" سوى أنهما يتطابقان في الرسم الخالي من النقط والتشكيل.


يوضح شادي ناصر بأن الكتابة قد لعبت دوراً مهماً في رواية القراءات في القرن الهجري الثاني. حيث ينقل شادي عن عدد من الأئمة العشر ورواتهم أقوالاً تفيد بأنهم شكّوا أو تراجعوا عن أوجه في القراءات - غالباً انفردوا بها - ، وينقل عن عدد من رواة القراءات العشر قولهم بأنهم لا يتذكرون ما الذي تعلموه ويطلبون من الآخرين أن يراجعوا الملاحظات المكتوبة، وينقل عنهم حيرتهم بسبب الاختلاف بين ما يتذكرونه وبين ما هو مكتوب، واستخدامهم للقياس لمعرفة كيفية قراءة جزئيات لا يعرفون كيف تُقرأ وفق القراءت التي تلقوها، وينقل عنهم أيضاً اعترافهم بنسيانهم لأجزاء من القراءة، وبأنهم يخطئون في نسبة أوجه القراءة لأصحابها حيث أن بعض الرواة كانوا يروون عن أكثر من إمام في القراءة. [٨٦]

يقول شادي ناصر: "تعدد القراءات عن الإمام الواحد له أسباب هي: أخطاء في النقل، خلو رسم المصحف من النقط والتشكيل، وتغيير أئمة القراءة لقراءاتهم وتصحيحها مع مرور الوقت، وصعوبة تذكرهم لبعض أوجه القراءة."[٨٧]

الأسانيد التي قدمها ابن مجاهد تصل بينه وبين أئمة القراءة - الذين دون قراءاتهم بالاعتماد جزئياً على ملاحظات مكتوبة-، أما الصلة بين أئمة القراءة والرسول فقد أعطى ابن مجاهد بعض التوضيحات عنها خلال ذكره لسيرة الأئمة، وتتكون الصلة بين الأئمة والرسول من 5 إلى 3 أشخاص. معظم أئمة القراءة السبع ورواتهم تعرضوا للنقد في نقلهم للحديث أو في قراءاتهم وذلك في بعض كتب الرجال. [٨٨]

خبر غير صحيح عن الحجاج ومصحف عثمان


كان الحجاج بن يوسف الثقفي معلماً للقرآن في الطائف في العهد الأموي، ثم انضم للسلك العسكري وأصبح أقوى رجل خلال خلافة عبد الملك بن مروان ومن بعده ابنه الوليد بن عبد الملك.

تقول إحدى الروايات بأن الحجاج قام بإدخال 11 تعديلاً طفيفاً على مصحف عثمان وقام بفرض هذه التعديلات على الجميع. رواية أخرى تقول بأنه أدخل تعديلات إملائية فقط وهو ما ينفيه وجود هذه الظواهر الإملائية في مخطوطات قديمة.

هذا الخبر لا يُعتبر موثوقاً عند الأكاديميين لعدة أسباب أهمها أن جميع المخطوطات الحالية للقرآن - باستثنناء مخطوطة صنعاء- تشير خصائصها بأنها كلها تعود إلى سلف مشترك واحد. بالإضافة إلى ذلك فإن صدقي وبريجمان أظهرا أن صاحب رواية الحجاج اعتبر أخطاءً كتابية في إحدى المصاحف العثمانية اعتبرها جزءاً أصيلاً من المصحف العثماني ولم ينتبه إلى أنها أخطاء ثم قام بالمقارنة بينها وبين مصحف الحجاج. [٨٩]

مراجع

  1. https://quranx.com/Hadith/Bukhari/USC-MSA/Volume-9/Book-89/Hadith-301
  2. https://quranx.com/Hadith/Bukhari/USC-MSA/Volume-6/Book-61/Hadith-525/
  3. https://quranx.com/Hadith/Bukhari/USC-MSA/Volume-6/Book-61/Hadith-526/
  4. https://quranx.com/Hadith/Bukhari/USC-MSA/Volume-6/Book-61/Hadith-556/
  5. https://quranx.com/Hadith/Muslim/USC-MSA/Book-4/Hadith-1720/
  6. https://quranx.com/Hadith/Bukhari/USC-MSA/Volume-6/Book-61/Hadith-559/
  7. https://quranx.com/Hadith/Muslim/USC-MSA/Book-4/Hadith-1726/
  8. يمكن الاطلاع على هذه القراءات في كتاب آرثر جفري: Materials for the History of the Text of the Qur'an. The old Codices, Leiden, Brill, 1937 أو يمكن الاطلاع عليها هنا
  9. https://quranx.com/Hadith/Bukhari/USC-MSA/Volume-6/Book-61/Hadith-510/
  10. https://quranx.com/Hadith/Bukhari/USC-MSA/Volume-6/Book-60/Hadith-251/
  11. https://quranx.com/Hadith/Muslim/USC-MSA/Book-30/Hadith-5864/
  12. https://quranx.com/Hadith/Muslim/USC-MSA/Book-4/Hadith-1316/
  13. https://quranx.com/Hadith/Muslim/USC-MSA/Book-4/Hadith-1317/
  14. آرثر جفري، مواد في التاريخ النصي للقرآن ص144، ص180 Materials For The History Of The Text Of The Quran
  15. https://quranx.com/Hadith/Bukhari/USC-MSA/Volume-6/Book-60/Hadith-468
  16. https://quranx.com/Hadith/AbuDawud/Hasan/Hadith-1473
  17. https://quranx.com/Hadith/Bukhari/USC-MSA/Volume-6/Book-60/Hadith-501/
  18. مسند أحمد بن حنبل، مؤسسة الرسالة، حديث رقم 21188
  19. مواد في تاريخ النص القرآني، آرثر جفري، ص25-32 Materials For The History Of The Text Of The Quran
  20. كتاب المصاحف لابن أبي داود، تحقيق محب الدين واعظ، دار البشائر الإسلامية، ص294
  21. مواد في التاريخ النصي للقرآن، آرثر جفري، ص40
  22. تاريخ القرآن، ثيودور نولدكه، ص435
  23. مواد في التاريخ النصي للقرآن، آرثر جفري، ص129
  24. مواد في التاريخ النصي للقرآن، آرثر جفري، ص199
  25. The Legal Epistemology of Qur’anic Variants: The Readings of Ibn Masʿūd in Kufan fiqhand the Ḥanafī madhhab Journal of Qur’anic Studies Vol. 19(1) pp. 72-101
  26. https://quranx.com/Hadith/Bukhari/USC-MSA/Volume-6/Book-61/Hadith-521
  27. https://quranx.com/Hadith/Muslim/USC-MSA/Book-31/Hadith-6023
  28. https://sunnah.com/urn/641130
  29. كتاب المصاحف لابن أبي داود، تحقيق محب الدين واعظ، ص183
  30. The Legal Epistemology of Qur’anic Variants: The Readings of Ibn Masʿūd in Kufan fiqhand the Ḥanafī madhhab, Journal of Qur’anic Studies Vol. 19(1) pp. 72-101
  31. https://quranx.com/Hadith/Bukhari/USC-MSA/Volume-6/Book-61/Hadith-521
  32. الطبقات الكبرى لابن سعد، دار الكتب العلمية، ج2 ص260
  33. https://quranx.com/Hadith/Bukhari/USC-MSA/Volume-6/Book-61/Hadith-527/‏
  34. مواد في التاريخ النصي للقرآن، آرثر جفري، ص148
  35. مواد في التاريخ النصي للقرآن، آرثر جفري، ص160
  36. مواد في التاريخ النصي للقرآن، آرثر جفري، ص128
  37. https://quranx.com/Hadith/Muslim/USC-MSA/Book-1/Hadith-406/
  38. https://quranx.com/Hadith/Bukhari/USC-MSA/Volume-6/Book-60/Hadith-495/
  39. المستدرك على الصحيحين للحاكم، حديث رقم 3496 http://islamport.com/d/1/mtn/1/22/473.html
  40. https://www.altafsir.com/Tafasir.asp?tMadhNo=0&tTafsirNo=5&tSoraNo=17&tAyahNo=23&tDisplay=yes&UserProfile=0&LanguageId=1
  41. Morteza Karimi-Nia, A new document in the early history of the Qurʾān: Codex Mashhad, an ʿUthmānic text of the Qurʾān in Ibn Masʿūd’s arrangement of Sūras, p.307
  42. Behnam Sadeghi and Uwe Bergmann, “The Codex of a Companion of the Prophet and the Qur’ān of the Prophet,” Arabica 57, no. 4 (2010): 343–436. See pages 390 ff.
  43. Codex Ṣanʿāʾ I – A Qur'ānic Manuscript From Mid–1st Century Of Hijra Islamic Awareness
  44. Cook, M. (2004) “The Stemma of the Regional Codices of the Koran,” Graeco-Arabica, 9-10
  45. van Putten, M. (2019) The 'Grace of God' as evidence for a written Uthmanic archetype: the importance of shared orthographic idiosyncrasies Bulletin of the School of Oriental and African Studies, Volume 82 (2) pp.271-288
  46. https://quranx.com/Hadith/Muslim/USC-MSA/Book-17/Hadith-4194/
  47. الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي، الهيئة المصرية العامة للكتب، ج3 ص82
  48. https://quranx.com/Hadith/IbnMajah/DarusSalam/Volume-3/Book-9/Hadith-1944/
  49. https://quranx.com/Hadith/Muslim/USC-MSA/Book-17/Hadith-4194/
  50. https://quranx.com/Hadith/Muslim/USC-MSA/Book-8/Hadith-3421
  51. https://quranx.com/Hadith/Malik/USC-MSA/Book-30/Hadith-12/
  52. المستدرك على الصحيحين للحاكم، دار الكتب العلمية، ج2ص450
  53. ٥٣٫٠ ٥٣٫١ الإسلام سؤال وجواب
  54. هذا ترتيب السورتين وفقاً للسيوطي في الإتقان وابن النديم في الفهرست. Theodor Nöldeke et. al. (1909, 1919) "The History of the Qur'an" 2nd Edition, Ed. and trans. by Behn W. H. (2013) Brill: Leiden p. 243-244
  55. الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ج1ص226
  56. See pp.78-79 in Sean Anthony, Two ‘Lost’ Sūras of the Qurʾān: Sūrat al-Khalʿ and Sūrat al-Ḥafd between Textual and Ritual Canon (1st -3rd/7th -9th Centuries) [Pre-Print Version], Jerusalem Studies in Arabic and Islam, 46 (2019)
  57. الدر المنثور للسيوطي، دار الفكر، ج8ص695-697
  58. الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ج1ص226
  59. الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج3ص85
  60. «تفسير ابن كثير ت سلامة» (1/ 103)
  61. https://quranx.com/Hadith/Muslim/USC-MSA/Book-5/Hadith-2286/
  62. https://quranx.com/Hadith/Bukhari/USC-MSA/Volume-8/Book-76/Hadith-445/
  63. https://quranx.com/Hadith/Bukhari/USC-MSA/Volume-8/Book-76/Hadith-447
  64. المستدرك على الصحيحين، ت عبد القادر عطا، ج2ص244
  65. المستدرك على الصحيحين للحاكم، ت مصطفى عطا (2/ 361)
  66. Ahmad 'Ali al Imam (1998), "Variant Readings of the Quran: A critical study of their historical and linguistic origins", Institute of Islamic Thought: Virginia, USA, pp.126-133
  67. Shady Hekmat Nasser, The Transmission of the Variant Readings of the Qur'an: The Problem of Tawaatur and the Emergence of Shawaadhdh, p. 64. Leiden: Brill Publishers, 2012.
  68. النشر في القراءات العشر، ت الضباع، ج1ص13
  69. الإتقان في علوم القرآن، ت محمد أبو الفضل إبراهيم، ج1ص164
  70. https://quranx.com/Hadith/Bukhari/USC-MSA/Volume-9/Book-93/Hadith-640/
  71. Nasser, S. The Transmission of the Variant Readings of the Qurʾān: The Problem of Tawātur and the Emergence of Shawādhdh, Leiden, Boston:Brill, 2013, p.83
  72. Ahmad 'Ali al Imam (1998), "Variant Readings of the Quran: A critical study of their historical and linguistic origins", Institute of Islamic Thought: Virginia, USA, pp.65-67
  73. https://quranx.com/Hadith/Bukhari/USC-MSA/Volume-4/Book-56/Hadith-819
  74. «النشر في القراءات العشر» ت الضباع (2/ 253)
  75. «النشر في القراءات العشر» ت الضباع (2/ 384)
  76. «النشر في القراءات العشر» (2/ 368)
  77. Nasser, S. The Transmission of the Variant Readings of the Qurʾān: The Problem of Tawātur and the Emergence of Shawādhdh, Leiden, Boston:Brill, 2013, p.53
  78. المصدر السابق p.167
  79. «السبعة في القراءات» ت شوقي ضيف (ص169)
  80. asser, S. The Transmission of the Variant Readings of the Qurʾān: The Problem of Tawātur and the Emergence of Shawādhdh, Leiden, Boston:Brill, 2013, p.65
  81. Van Putten, Marijn, "Hišām's ʾIbrāhām : Evidence for a Canonical Quranic Reading Based on the Rasm", Journal of the Royal Asiatic Society 30 (2): 251, April 2020 pp.15-16 of the open access pdf
  82. المصدر السابق pp.14-15
  83. النشر في القراءات العشر ج2ص251
  84. النشر في القراءات العشر ج2ص258
  85. المصدر السابق ج2ص283
  86. chapter 4, pp.159, 163-164, 172-176, 178-180, and the list and summary in chapter 2 pp.64-89 of Nasser, S. "The Second Canonization of the Qurʾān (324/936)" Brill, 2020
  87. المصدر السابق ص173
  88. المصدر السابق pp.131-136
  89. Behnam Sadeghi and Uwe Bergmann, “The Codex of a Companion of the Prophet and the Qur’ān of the Prophet,” Arabica 57, no. 4 (2010): 343–436. p.365, footnote 36