أم قرفة

من ویکی اسلام
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

أمّ قرفة هي امرأة مسنّة عربيّة عاشت في عصر نبي الإسلام محمد. ويقال إنّها كانت تنتمي إلى قبيلة وثنيّة تسمّى "بنو فزارة" في وادي القرى. يقال كذلك إنّ المرأة المسنّة كانت قائدة قبيلتها التي قُضي عليها بعد غزو محمد وأتباعه لها وتغلّبهم عليها. وقد وقعت هذه الهجمة بعد حوالى ستّ سنوات من هجرة محمد إلى المدينة، وذلك في سنة 622م. تروي مصادر تقليديّة كيف ربط صحابة محمد أمّ قرفة بجملين، فبعد أن أُجبرا على الركض في اتجاهين معاكسين، مزّقا جسدها إلى نصفين.


أم قرفة في السِيَر

إبن إسحاق والطّبري

يروي ابن إسحاق، وهو اوّل من كتب سيرة محمد، حدث الهجوم على بني فزارة، كما يروي حدث إعدام أمّ قرفة "الوحشيّ" في كتابه "سيرة رسول الله"


“غزا زيد كذلك وادي القرى حيث التقى ببني فزارة وقُتل بعض رفاقه. وقد حمل بنفسه جرحى من ساحة القتال. وقُتل ورد بن عمرو بن مدهش من قِبل أحد بنو بدر واسمه سعيد بن حذيم. وعندما أتى زيد قسم أنّه لن يتوضّى ألى أن يغزو بني فزارة. فلمّا شفي من جراحه، أرسله الرسول عليهم مع قوّة عسكريّة. وقاتلهم في وادي القرى وقتل بعضهم. قتل قيس بن المسحر اليموري مسعدة بن حكمة بن مالك بن حذيفة بن بدر وأُسرت أمّ قرفة فاطمة. كانت امرأة كبيرة في السنّ وزوجة مالك. وأُسرت كذلك ابنتها وعبد الله بن مسعدة. أمر زيد قيس بن المسحر بقتل أمّ قرفة فقتلها بوحشيّة.”
ابن إسحاق، أ.غيلوم، محرر، سيرة رسول الله، أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، ص 664-665


وقد تمّ وصف الطريقة "الوحشيّة" التي استخدمها مقاتلو محمد لقتل أمّ قرفة في كتاب "تاريخ الطبّري".


“أرسل رسول الله زيداً إلى وادي القرى حيث التقى الأخير ببني فزارة. فقتل بعض رفاق زيد، وحُمل وهو مصاب. ذُبح ورد من قبل بني بدر. وعندما عاد زيد، أقسم أنّه لن يوضّئ رأسه إلّا بعدما يكون قد غزا الفزارة. فبعد أن تعافى، أرسله محمد مع جيش ضدّ مستوطنة الفزارة. التقى بهم زيد في وادي القرى وأوقع بضحايا منهم وأسر أمّ قرفة. كما أنّه أسر إحدى بنات أمّ قرفة وعبد الله بن مسعدة. طلب زيد بن حارثة من قيس أن يقتل أمّ قرفة، فقتلها بوحشيّة. فربط كلّاً من قدميها بحبلٍ، ثمّ ربط الحبلين بجملين، فمزّقاها إلى نصفين.”
الطبري، مايكل فيشبين، ترجمة، تاريخ الطبري، 8 (انتصار الإسلام)، جامعة ولاية نيويورك، ص 95-97 ،1997.


يضيف ابن إسحاق إلى ذلك أنّ ابنة أمّ قرفة التي استثنيت من القتل واتُخذت أسيرة، قُدّمت كزوجة لأحد صحابة محمد في ما بعد.


“ثمّ جلبوا ابنة أمّ قرفة وابن مسعدة إلى الرسول. وأخذ سلامة بن عمرو بن الأكوع ابنة أمّ قرفة فأصبحت له. واشتهرت أمّ قرفة بعزّتها بين قومها، فضرب بها المثل وكان العرب يقولون "أمنع من أمّ قرفة". طلب سلامة من الرسول أن يسمح له بأخذ الابنة، فأعطاه الرسول إيّاها. ثمّ قدّمها لعمّه حزن بن أبي وهب وولدت له عبد الرحمن بن حزن. ”
ابن إسحاق، أ.غيلوم، محرر، سيرة رسول الله، أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، ص 664-665


بحسب ابن إسحاق، فقد شغلت أمّ قرفة مكانة رفيعة بين قومها، فقال العرب: "أمنع من أمّ قرفة". بذلك، كان من الممكن مقارنتها بفعل مكانتها الاجتماعية بخديجة بنت خويلد وهي زوجة محمد الأولى. وبعد ذلك، قُطع رأس أمّ قرفة وأوتي به إلى المدينة ليقدّم إلى محمد كدليل على إعدامها.


يقترح البعض، بالاستناد إلى صحيح البخاري 9:88:219، أنّ الدافع للإعدام نفسه وطريقة تنفيذه الدراماتيكية هما نتيجة محاكاة زياد بن حريثة لمحمد من حيث عدم تقبّلهما للنساء في الأدوار القيادية في المجتمع، وبالأخصّ اللواتي يشغلن مناصب النخبة في القيادة كأمّ قرفة.

المصداقية

كان ابن إسحاق أوّل من أبلغ عن هذا القتل، تبعه الطبّري. وقد اعتاد علماء المسلمين المعاصرين على الشكّ بهذين المؤرّخين عند إظهارهما لمحمد بصورة سلبيّة بحسب معايير يومنا هذا. ففيما تتضمّن النسخة المعدّلة(من قبل ابن هشام) لابن إسحاق مقتل أمّ قرفة بدون ذكر الطريقة الوحشيّة التي استخدمت لقتلها، يذكر الطبّري المقتل وطرية تنفيذه معاً. تغضّ المصادر الصحيحة (بخاري ومسلم) النظر عن تفاصيل مقتل أمّ قرفة، ولكنّها تؤكّد مع ذلك حدوث الغزو على بني فزارة.

بالرغم من ذلك، يشير صفي الرحمن المباركفوري، وهو كاتب سيرة معاصر يكتب عن النبي محمد، إلى حادثة مقتل أمّ قرفة في كتابه "الرحيق المختوم". يشغل هذا الكتاب مكانة مهمّة عالميّاً، وقد ربحت ترجمته العربيّة الجائزة الأولى من قبل رابطة العالم الإسلاميّ، في خلال المؤتمر الإسلاميّ الأوّل في السيرة وذلك بعد المسابقة العالميّة لأفضل كتاب عن سيرة رسول الله في 1979. إنّ حدوث إعدام أمّ قرفة لا يزال معترف به في المنشورات الفقهية الإسلاميّة الموثوقة، ولا تتمّ معارضته بقوّة أبداً في الأماكن التي تتقبّل حدود الشريعة الإسلاميّة بشكلٍ واسع، كالعقاب بالرجم بالحجارة والصّلب.

سرية أبي بكر الصديق أو زيد بن حارثة إلى وادي القرى، في رمضان سنة 6ه. كان بطن فزارة يريد اغتيال النبي، فبعث رسول الله أبا بكر الصديق. قال سلمة بن الأكوع: وخرجت معه، حتى إذا صلينا الصبح أمرنا فشننا الغارة، فوردنا الماء، فقتل أبو بكر من قتل، ورأيت طائفة وفيهم الذراري، فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل فأدركتهم، ورميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا، فيهم امرأة هي أمّ قرفة عليها قشع من أديم، معها ابنتها من أحسن العرب، فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر، فنفلني أبو بكر ابنتها، فلم أكشف لها ثوباً وقد سأله رسول الله بنت أم قرفة، فبعث بها إلى مكة، وفدى بها أسرى من المسلمين هناك. وكانت أمّ قرفة تحاول اغتيال النبي، وجهّزت ثلاثين فارساً من أهل بيتها لذلك، فلاقت جزاءها وقتل الثلاثون.
صفي الرحمن المباركفوري, الرحيق المختوم (الطبعة الأولى)، دار السلام، ص. 337، 1996

أم قرفة في الحديث

إنّ التقرير الموجود في كتاب "الرحيق المختوم" في ما يتعلّق بالحادثة مشتقّ من حديث مسلم صحيح. وعلى الرغم من أنّه جليّ الوصف، إنّ هذا الحديث الصحيح لا يأتي على ذكر مصير أمّ قرفة. وإنّ تقارير الغزوة متطابقة بحسب ابن إسحاق والطبّري، ويؤكّد عليها بشكلٍ كبيرٍ الحديث في صحيح مسلم. فبالرّغم من أنّ تفاصيل مصير أمّ قرفة لم يتمّ ذكرها، إلّا أنّ وجود أمّ قرفة مؤكّد. أمّا التفاصيل المتعلّقة بمصير ابنتها، فقد تمّت روايتها بالتفصيل.

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ، غَزَوْنَا فَزَارَةَ وَعَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَيْنَا فَلَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَاءِ سَاعَةٌ أَمَرَنَا أَبُو بَكْرٍ فَعَرَّسْنَا ثُمَّ شَنَّ الْغَارَةَ فَوَرَدَ الْمَاءَ فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ عَلَيْهِ وَسَبَى وَأَنْظُرُ إِلَى عُنُقٍ مِنَ النَّاسِ فِيهِمُ الذَّرَارِيُّ فَخَشِيتُ أَنْ يَسْبِقُونِي إِلَى الْجَبَلِ فَرَمَيْتُ بِسَهْمٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجَبَلِ فَلَمَّا رَأَوُا السَّهْمَ وَقَفُوا فَجِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ وَفِيهِمُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ عَلَيْهَا قِشْعٌ مِنْ أَدَمٍ - قَالَ الْقِشْعُ النِّطَعُ - مَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ الْعَرَبِ فَسُقْتُهُمْ حَتَّى أَتَيْتُ بِهِمْ أَبَا بَكْرٍ فَنَفَّلَنِي أَبُو بَكْرٍ ابْنَتَهَا فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي السُّوقِ فَقَالَ ‏"‏ يَا سَلَمَةُ هَبْ لِي الْمَرْأَةَ ‏"‏ ‏.‏ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْجَبَتْنِي وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا ثُمَّ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْغَدِ فِي السُّوقِ فَقَالَ لِي ‏"‏ يَا سَلَمَةُ هَبْ لِي الْمَرْأَةَ لِلَّهِ أَبُوكَ ‏"‏ ‏.‏ فَقُلْتُ هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا فَبَعَثَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ فَفَدَى بِهَا نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا أُسِرُوا بِمَكَّةَ.‏‏


يوجد تغيّر بسيط في تقرير صحيح مسلم، ولكنّ هذه التغيّرات شائعة بشكلٍ كبير في أدب الحديث. ففي حديث صحيح مسلم، يقود أبو بكر الغزوة بدلاً من زيد بن حارثة الذي وصفه ابن إسحاق والطبري كليهما على أنّه قائدها. أمّا بقيّة التقارير فهي تتطابق بشكل شبه تامّ مع ابن إسحاق والطبّري.

وجهات نظر حديثة وانتقادات لها


نتيجة مستحقة

في وجه الصورة السلبيّة التي ترسمها حادثة أمّ قرفة على صحابة محمد وربّما على محمد نفسه، شعر بعض العلماء المسلمين المعاصرين بالحاجة إلى تفسير إعدام أمّ قرفة على أنّه فعل عقاب بدلاً من أن يكون تنفيذاً لإذن مستند على الشريعة يسمح بإعدام العدوّ بعد عمليّة جهاد ناجحة.


بناءً على تسلسل التقارير المذكورة من قبل ابن سعد وابن هشام فحسب، يقال أنّ غزوة زيد على بني فزارة لم تقع إلّا بعد هجوم أمّ قرفة على موكب كان يقوده زيد إلى سوريا. في المقابل، وبحسب ابن إسحاق وهو مصدر سابق، إنّ الحدث الأوّل زمنيّاً الذي يسبق إعدام أمّ قرفة هو غزو بقيادة زيد لوادي القرى حيث وجدت قبيلة بني فزارة. ويؤكّد المباركفوري في كتاب "الرحيق المختوم" تسلسل الأحداث التي يرويها ابن إسحاق. يجدر بالإشارة أيضاً أنّ قصّة موكب زيد التجاري ليست موجودة في المصادر الصحيحة. إنّ الأحداث التي سبقت إعدام أمّ قرفة هي مثل من بين عدّة أمثال عن التناقضات الموجودة في أعمال السيرة الإسلاميّة الأوّليّة وفي التاريخ الإسلاميّ بشكلٍ عامّ.

الدليل على تحريم اغتصاب الرقيق

قدّم بعض العلماء المسلمين المعاصرين كذلك مثل ابنة أمّ قرفة دليلاً على تحريم الإسلام لاغتصاب الرقيق. ففي حديث صحيح مسلم 19:4345، أُعطي أحد الصحابة واسمه سلامة (بن الأكوع) ابنة أمّ قرفة كجائزة من قبل أبي بكر. وكانت تعتبر "أجمل البنات العرب". وبعد وصول سلامة إلى المدينة، طلب محمد منه تلك الفتاة بغية تقديمها فدية لتحرير بعض الأسرى المسلمين. رفض سلامة مرّتين، ذاكراً كلا المرّتين أنّه "لم يخلع ملابسها بعد". وفي المرّة الثانية، أعاد سلامة ذكر ذلك لمحمد.


إنّ فكرة أنّ سلامة "لم يكن قد خلع ملابسها بعد" تقدّم أحياناّ كدليل على أنّ الرجال المسلمين يحرّم عليهم اغتصاب الرقيق. على العكس، نجد وصف الفتاة على أنّها "من الأجمل"، و أنّها "جائزة" وقد "سحرت" سلامة، وهذا يدلّ على السماح الواضح للرجال باغتصاب الرقيق النساء من خلال المخطوطات الإسلاميّة. وإنّ اعتراف سلامة الواضح وغير المنتقد للنبي بخيبة أمله لأنّه "لم يخلع ملابسها بعد" يوضّح نوايا سلامة الذي أراد اغتصاب الفتاة، وإنّ محمد وصحابته في القيادة الذين لم يأخذوا المسألة بعين الاعتبار كانوا على أتمّ الاستعداد لتسهيل هدف سلامة.